الأرقام الأممية الملونة ولغة الاستعارة..! – علي قاسم

علي قاسم ‫‬

علي قاسم ‫‬

تستعجل التقارير الأممية الاستعارة من مثيلاتها الاستخباراتية والقادمة من بيوت التسريب وحملات التحوير وخطط التجييش في لعبة الأرقام وتداولاتها،

وفيما السباق على أشده مع الوقت الذي أخذ بدوره قسطاً وافراً من لعبة التقطيع حيناً والوصل حيناً آخر والعبث مع الآخرين حيناً ثالثاً، تتقارب الشواهد على لغة الكذب المشتركة التي تتعمد أن تصبغها بلون واحد لا يقبل حتى المزج.‏

لا يكاد يمر أسبوع دون أن تتصدر لوائح المصالح والأطماع والتسييس تقارير تغلب عليها اللغة الإحصائية المفخخة، وتتلون فيها الأرقام تبعاً للحالة السياسية ومكوناتها، ووفقاً للخطة الاستخباراتية ومفرزاتها وقد تصدرتها الأرقام الوهمية المشغول عليها استخباراتياً وإعلامياً، وأحياناً نفسياً.‏

واللافت، أن تلك التقارير والأرقام تتنقل بين القطاعات السورية تباعاً ودون توقف، ولا تكاد تفلس في موقع أو نقطة حتى تنقل متاريسها ونقاط اشتباكها إلى قطاع آخر، ليكون الحلبة الجديدة لتدحرج الأرقام التي تتقاذفها ألسنة المسؤولين الغربيين، بعد أن ترمي بها تقارير أممية أو شبه أممية أو مستأجرة تحت الراية الأممية.‏

من التربية إلى الصحة، وقبلها وبعدها في كل القطاعات التي تصلح مادة للتداول في سراديب التقارير، ويمكن لها أن تكون مادة للنقاش وأحياناً للمتاجرة والابتزاز، حتى لو اعتلت بعض «ترويساتها» الشعارات الإنسانية المزيفة، وهي تتراقص على آلام السوريين ومعاناتهم الناتجة عما زرعته أدوات الشر والطمع وأحياناً التشفي من السوري وما حققه في تلك القطاعات.‏

اليوم، تتحدث التقارير الأممية عن المشافي وعددها، وعن المراكز الصحية وتوزعها، وعن الخدمات التي لم يعد بالإمكان أن تقدمها، لكنها لم تتطرق يوماً إلى ما كانت عليه وما الأرضية التي احتضنتها وحققتها، وما هي الجهود والسياسة التي أنتجتها، ولا تريد أن تتطرق إلى من فعل بها ذلك، وكيف تعمّدت يد الإرهاب الأسود أن تدمرها وفق أمر عمليات لا أحد يستبعد اليوم أن يكون قد صدر عن ذات الطاولة التي تصدر تلك التقارير.‏

داخل لعبة الأرقام التي تكذب وتتكاذب بها وحولها المنظمات والهيئات والمجالس والمراكز، المختصة منها بالكذب أو التي أصابتها العدوى لاحقاً، تحاول أن تمارس عدوانها وأن تستكمل أدوار الحرب التي تُشنّ على سورية، وحين يتشدق الأمين العام للأمم المتحدة وغيره بالحديث عن تلك الأرقام لا يجرؤ على ذكر عدد المدارس التي دمرها الإرهاب والتي استهدفها التكفير، والحبل على الجرار.‏

ما يكذب به كي مون يلاقيه فيه إلى منتصف الطريق بقية المتاجرين بالمعاناة السورية، وما يغفل عنه في مبالغاته يعتمدون عليه لتدبيج صفحات تقاريرهم، وما يعجز عن تداوله يتكفل به المتربصون ليزيدوا من منصات الاستهداف، لكن أحداً فيهم لم يسأل ولا يريد أن يسمع ما قاله من هو من صفوفهم ومن بين ظهرانيهم عن أرقام وأكاذيب يتم تدويرها من موقف إلى آخر.‏

قد لا تكون ثمة فوارق كبيرة بين من امتهن لغة الاستجداء ومن احترف التخريب، أو ذاك الذي اعتاش ويعتاش على ما يقوم به الإرهاب وما تمليه عليه الأطماع والمصالح البغيضة، لكن.. حين يتكشف ما في السراديب، يصبح لزاماً الحديث في التفاصيل لأنها تفيض بما احتوته، وتُخرج ما تراكم ماضياً وحاضراً، ولا تتردد في الإفصاح عما هو قادم.‏

ما استجد هنا وهناك أن الكذب الذي كان يصلح في الماضي مادة للتسويق، بات قرينة على إفلاس أصحابه، وما كان يحتاج إلى تفنيد عاجل فإن الأرقام ذاتها تقوم بالمهمة فيما بينها، ما يصلح منها في موقع للكذب على لسان هذا المسؤول لا يتقاطع مع مصالح ذاك، والرقم الذي يريد أن يتاجر به هنا يصبح دليلاً عليه هناك، وما يضاف بين سطور تلك الأرقام أو على هوامش تلك التقارير، أضحى شاهد إثبات على حبال كذب تتقطع، وضبوط ادعاء تتهاوى.‏

علي قاسم : رئيس تحرير صحيفة الثورة السورية

[email protected]