إنقاذ البحر الميت

الكاتب: أفيف لفي / نشر في:  معاريف , 10/12/2013 البحر الميت

هيا نضع الامور في نصابها: عندما نفرق جلبة التصريحات والاحتفالات نجد ان الاتفاق الذي وقع في واشنطن أمس يعنى بمشروع هام لتبادل المياه بين دولتين جارتين. وفي هذه المرحلة، فان علاقته بانقاذ البحر الميت طفيفة للغاية.

في مركز الاتفاق تقف منشأة التحلية التي ستقام في العقبة، لتحلي نحو 80 مليون متر مكعب تنهل من البحر الاحمر. تحصل اسرائيل على نحو نصف الكمية في صالح ايلات والعربا وتعيد للاردنيين ماء من بحيرة طبريا في صالح منطقة عمان. فهم سيبيعون لنا الماء في الجنوب، ونحن نعيد بيعهم الماء في الشمال، ويكون بوسع الجميع ان يشربوا وأن يسقوا اراضيهم بهناء. وعلى الطريق سيحصل الفلسطينيون على بضع عشرات الامتار المكعبة التي ستحسن ميزان المياه في الضفة الجافة.

حتى هنا يدور الحديث عن مشروع متواضع للغاية، منطقي، للتعاون الاقليمي، والذي يفوق فيه العطش والمصالح الاقتصادية على الخلافات والعداء السياسي.

تبدأ المشكلة بالطموح لتمديد انبوب ‘رد دد’ (من البحر الاحمر الى البحر الميت) والذي هو ‘انبوب البحرين’ الذي يحل محل قناة البحرين الاسطورية.
وفي هذا الانبوب سيتدفق شمالا نحو 100 مليون متر مكعب في السنة. وعلى هذا الانبوب يحيك سلفان شالوم عباءة السوبرمان خاصته: فهو لا ينجح فقط في أن يدفع أخيرا الاسرائيليين، الاردنيين والفلسطينيين على الاتفاق في شيء ما (وهذه بالتأكيد انباء طيبة) بل ينقذ ايضا بكلتي يديه وبرؤياه البحر الميت.

وهنا تبدأ المشاكل. قبل كل شيء، الكميات: حتى قبل الحديث عن ترميم البحر الميت، فقط من أجل وقف تراجع مستوى المياه وابقاء البحر في ارتفاعه الحالي، ثمة حاجة الى الدفع نحوه بنحو مليار متر مكعب في السنة. وبالتالي فان الكمية التي يفترض ان تصل الى البحر الميت في الانبوب الاحتفالي ستساعد، في افضل الاحوال، في تغطية نحو 10 في المائة في وتيرة التراجع السنوي. وبدلا من تراجع نحو 1.10 متر في السنة سيتراجع نحو متر واحد. فهل هذا سبب للاحتفال؟ انعطافة تاريخية؟ ليس حقا.

المنفعة للبحر الميت طفيفة والمخاطر غير قليلة: فالمشروع يعتمد على تقرير نشره البنك العالمي قبل بضعة اشهر وقضى في السطر الاخير بانه توجد جدوى للمشروع. غير أنه في الطريق الى السطر الاخير طرحت سلسلة من المخاوف: اللقاء بين مياه البحر الاحمر ومياه البحر الميت، مثلا، من شأنه أن يخلق تفاعلات كيميائية تؤدي الى ازدهار بقعة حمراء، انتاج شريحة جبس تبيض المياه وردود فعل بكتيرية تعبر عن نفسها باندلاع رائحة أكسيد الكبريت ـ المعروف أكثر برائحة البيض الفاسد. وليس صدفة أن قال في حينه الوزير السابق لحماية البيئة، جلعاد اردان ان ‘هذا المشروع من شأنه ان يوقع مصيبة على البحر الميت وعلى البيئة والسياحة في المنطقة’.

تخوف آخر يأتي من جانب كبار الجيولوجيين: فالانبوب سيمتد على مسافة 180كم في المسار الاكثر حساسية في منطقة الهزات الارضية القوية الشرخ السوري الافريقي. ولما كانت المياه التي ستتدفق فيه هي مياه راجعة من منشأة التحلية في العقبة، فان كل شق في الانبوب من شأنه ان يؤدي الى تسلل المياه المالحة الى المياه الجوفية في العربا والى الاضرار الشديد باقتصاد المياه الاسرائيلي. وحقيقة أن الانبوب سيمر في اراضي الاردن الذي سيكون مسؤولا عن صيانته وحراسته، لا تضيف سكينة في الطرف الاسرائيلي.

جواب سلفان شالوم ورجاله على هذه المخاوف بسيط: هذا مشروع تجريبي. اذا لم تصبح مياه البحر الميت عجينة من الجبسين واذا ما مر الامر بنجاح، سيكون بوسعنا في المستقبل ان نزيد جدا حجم الضخ وعندها نحسن حقا حالة البحر الميت (ولا يزال، في أي سيناريو لا يدور الحديث عن كميات تسمح حتى بوقف تراجع مستوى المياه). ولكن ليس هناك من يمكنه أن يتوقع الهزة الارضية التالية والسؤال هو اذا كان مجديا استثمار مئات ملايين الدولارات في تجربة من شأنها أن تنتهي برائحة بيض فاسد.

ان انقاذ البحر الميت يجب أن يأتي على ما يبدو من جهة اخرى. تعاون اقليمي ومساعدة لاقتصاد المياه الاسرائيلي، الفلسطيني والاردني هو موضوع هام للغاية، ولكن لشدة الاسف يأتي بقدر قليل جدا من المجد.

وكما أسلفنا، فقد وقع في واشنطن أمس الاتفاق بين اسرائيل، الاردن والفلسطينيين، لبناء الانبوب الذي سينقل الماء من البحر الاحمر الى البحر الميت. وحسب الاتفاق، ستجتاز المياه عملية تحلية في مشروع جديد في الاردن وتستخدم من اسرائيل والاردن. وقسم من المياه ستوجه الى البحر الميت من أجل ابطاء وتيرة جفافه. وفي بيان حكومة اسرائيل جاء ان الانبوب الذي سيكون طوله 180 كيلو متر سيكلف 300 مليون دولار، ومدة بناؤه ستصل الى ثلاث سنوات. وقال الفلسطينيون ان اسرائيل ستزودهم بقسم من المياه التي تمر في الانبوب.