إسرائيل تُصرّ على أن تكون “منبوذة” دولياً بدل إيران!

الكاتب: عاموس هرئيل / نشر في: هآرتس , 27/11/2013

في مقابل الندب الجماعي، الذي صدر عن وزراء حكومة إسرائيل منذ الأحد صباحا، كان يمكن أن نتوقع في ظاهر الأمر أن يستجيب رؤساء المجموعة الاستخبارية السابقون للأمر 8، ليلبسوا الملابس العسكرية ويتجندوا للمعركة التي تقوم بها الدولة الآن محاولة إقناع العالم بخطر الاتفاق الذي وقع في جنيف. لكن لم يحدث هذا بالفعل. “حينما سمعت الردود في القدس على الاتفاق، اعتقدت لحظة خطأ أن إيران بدأت تطور رأساً نووية”، قال رئيس شعبة الاستخبارات السابق في الجيش الإسرائيلي، اللواء احتياط عاموس يادلين، بصورة لاذعة. وحصر سلفه في المنصب اللواء احتياط أهارون زئيفي – فركش عنايته في التحذير من الأضرار المتوقعة للقطيعة التي أخذت تشتد بين إسرائيل والولايات المتحدة.إسرائيل تُصرّ على أن تكون منبوذة دولياً بدل إيران!

ليس يادلين وزئيفي هما مائير دغان ويوفال ديسكن، رئيسا “الموساد” و”الشباك” السابقان، اللذان اعترضا علنا في الماضي على هجوم إسرائيلي مستقل على إيران، وهاجما بصورة سافرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق، أيهود باراك. في السنوات التي مضت منذ سُرح رئيسا “أمان” السابقان من الجيش الإسرائيلي حرصا على لغة أكثر رسمية. وبرغم أنهما اعتقدا أنه يحسن التوصل الى حل دبلوماسي للازمة النووية، فإنهما عملا أكثر من مرة على تبيان قلق إسرائيل لوسائل الإعلام الأجنبية. وامتنع الاثنان أيضا عن هجمات مباشرة على موقف نتنياهو، لكنهما يرفضان اليوم الانضمام الى الجوقة المقدسية. وكلاهما شريك في الرأي بأن الاتفاق الأولي في جنيف برغم أنه لا يخلو من العيوب، أفضل من الإمكانين الآخرين وهما استمرار التقدم الديراني نحو القدرة النووية أو هجوم إسرائيلي يخالف موقف المجتمع الدولي.

المواقف التي يعرضها يادلين وزئيفي تثير سؤالا وهو ما الذي يعتقده قادة الأذرع الأمنية الحاليون في وقت يهاجم فيه الوزراء الاتفاق. إن معرفة هذا في الوقت المناسب أمر أشد تعقيداً دائماً، فقد تبينت قوة انتقاد دغان وديسكن لسياسة نتنياهو نحو إيران كاملة بعد أن تركا الخدمة فقط. لكن يمكن أن نُخمن باحتمال عال أن القادة المختصين الكبار لا يشاركون في افتراض نتنياهو ووزير الدفاع الحالي يعلون، الذي أدى في جولات سابقة دورا مهما لكبح الموقف الإسرائيلي، وهو أنه كان يمكن جعل إيران تزحف الى تسوية استسلام في جنيف.

يُسمع منذ زمن بعيد من القيادة الأمنية العليا الإسرائيلية انتقاد لسلوك الولايات المتحدة في المنطقة وظواهر سذاجة إدارة اوباما في علاجها للتهديد الإيراني والحرب الأهلية في سورية. وسيكون من الحماقة أن يتوقع من إسرائيل أن تسلك الآن سلوك فريق يشجع الرئيس ويثني على الاتفاق الذي فيه نقائص لا يستهان بها من وجهة نظرها. لكن الاتفاق أصبح حقيقة خالصة. والمعضلة التي تواجه إسرائيل الآن مختلفة وهي هل تستمر في مشاجرة الإدارة الأميركية علنا أم تحاول تحسين علاقات العمل مع واشنطن والتأثير في نوع الرقابة التي ستُستعمل على المواقع الذرية في الفترة المرحلية والمساعدة على صياغة الاتفاق الدائم مع إيران اذا ما تحقق في المستقبل.

يبدو أن الولايات المتحدة تشعر الآن بدين لحليفاتها في المنطقة التي تخشى إيران وهي إسرائيل والسعودية وإمارات الخليج، لكن الأميركيين يستطيعون أن ينهجوا نهجا معاكسا متشددا ومناوئا. وأصبح يلاحظ في الأسابيع الأخيرة بسبب الاختلاف المتزايد في شأن إيران، قلة استعداد لدى واشنطن لإرضاء إسرائيل في قضايا أمنية حساسة.
يبدو أن نتنياهو على حق في افتراضه أن الاتفاق الأولي لا يعيد الى الخلف كثيرا قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي. فإذا انهارت التسوية بعد الأشهر الستة التي حُددت لها فلن يحتاج الإيرانيون الى أكثر من بضعة اشهر للانطلاق قدما ولتخصيب ما يكفي من اليورانيوم لإنتاج قنبلة نووية واحدة. وإن استمرار الاتفاق الأولي أيضا لا يعالج بصورة جدية جهود إيران لإنتاج رأس نووية، أو استمرار تطوير صواريخ ارض – ارض عندها، تهدد كل عواصم المنطقة. لكن السؤال في هذه المرحلة المتأخرة هو ما هي الخيارات التي تواجه إسرائيل؟ كان نتنياهو نفسه هو الذي استقر رأيه في سنوات مضت حينما واجه حسم القرار، ألا يهاجم المواقع النووية آخر الأمر. ونشأ الآن وضع جديد أخذت فيه إيران تخرج بالتدريج بفضل التفاوض مع القوى العظمى، من عزلتها الدولية. وبدا للحظات في الأيام الأخيرة وكأن إسرائيل المستمرة في مشاجرة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أيضا في شأن البناء في المستوطنات، تُصر على أن تلبس نعلي إيران لتكون في مقام المنبوذة الدولية.

إن شعوري الصدمة والغضب في القدس مشروعان، لكنهما لا يمكن أن يصبحا خطة عمل. ويكمن في التحصن في وضع “قلنا لكم” و”كل العالم ضدنا” خطر محتمل آخر في ظاهر الأمر: فهو قد يحث على توجه مسيحاني ينتهي الى مغامرات عسكرية أو استخبارية، برغم أنه من الواضح تماما أن القيادة الأمنية في إسرائيل لا تؤيدها وأنها ستفضي فقط الى ازدياد المواجهة مع واشنطن حدة.