إرهاب داعش وجبهة النصرة يقوّض السلام والاستقرار الدولي ..عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

عبد الفتاح إدريس

لم يكن محض صدفة تحرك عصابات داعش الإرهابية في الموصل ونينوى في تزامن واحد مع اندفاع آلة الحرب الإسرائيلية في حرب إبادة ضد الفلسطينيين في غزة! ولم تكن مجرد صدفة هجوم داعش على مقر الفرقة 17 ومواقع عسكرية أخرى حول الرقة والقامشلي ودير الزور مع الحراك الداعشي المسلح داخل الشمال العراقي متزامناً مع الحرب على غزة!! فالأهداف التي حددت منذ انطلاقة العدوان الدولي الواسع على سورية بدأت مرتسماتها العمليّاتية على الأرض بعد سنوات طويلة من التدمير المقصود للدولة السورية، فالهدف الاستراتيجي لأمريكا والغرب المتحالف مع الكيان الصهيوني كان يستهدف أمرين اثنين معاً: أولهما استهداف محور المقاومة وإضعافه، وبإضعاف سورية وتمزيقها إضعاف لحزب الله المقاوم وسد طرق الإمداد والدعم أمامه…

أما الهدف الثاني فكان إغلاق التواصل الاستراتيجي لمحور المقاومة الذي يمتد عبر العراق، ويصل إيران بسورية وحزب الله..! إغلاق التواصل الجغرافي عبر العراق كان الهدف الواضح لحراك داعش لاحتلال الموصل ومدن وبلدات أخرى في الشمال العراقي. لإحداث تواصل جغرافي لداعش يمتد من الرقة حتى الموصل.. وما كان إعلان دولة الخلافة إلا تأكيداً على تحقيق هذا الفصل الاستراتيجي من جهة، وتأكيداً للتعاون الذي سبق هذا الهجوم مع السعودية، وحلفائها النقشبنديين بزعامة عزت الدوري، الذي حرّك وسهّل هرب المجموعات المنتمية إليه من الجيش العراقي الذي فتح الطريق أمام داعش للسيطرة السريعة على الموصل وبلدات أخرى!! رغم أن هذا التحالف المشبوه يظل تحالفاً محكوماً بالصّدام والتناقض الذي سيسقط في أول منعطف فلا أمان لداعش ولا عهد لها كما أثبتت التجربة مع أكثر حلفائها المقربين في سورية!! الأمر الذي تحوّل بسرعة لحساب داعش التي باتت تعمل منفردة لحسابها بفعل التمويل الذاتي. وبالتالي لم يعد يهمها الموارد الفائضة بالأموال والسلاح والدعم المعنوي الذي كانت تتلقاه من السعودية والخليج منذ بداية التحشيد الظلامي ضد سورية!!.

إذاً بداية ليس صدفة التحرك المفاجئ لداعش في الموصل وتكريت وسنجار ونينوى وتحالفها المؤقت مع المجموعات الموالية للسعودية، وقد رافق الاجتياح الداعشي المفاجئ في الموصل وغيرها من البلدات العراقية، حملة إعلامية مفتعلة وسيناريوهات خيالية للأحداث!! وقد اعتبر هذا الحراك من فعل ثوّار انتفضوا على ظلم الإدارات السياسية في العراق!! وهذا التصوّر كان مجرد وهم وخديعة كبرى.. وقد زالت مفاعيل التضليل فيها بسرعة كبيرة فيما بعد!! نعم فالفضائيات الموالية للسعودية وبعض دول الخليج صوّرت بدايةً ما حدث من اجتياحات داعش بأنها شأن الثوريين العراقيين الذين ينتفضون ضد الفساد والظلم والطائفية.. لم تكن آنذاك مجرد حملة إعلامية عابرة، وقصة إعلامية مفتعلة كما جرت العادة في الدعم الإعلامي التي قدمته هذه الفضائيات والإعلام الخليجي والسعودي المكتوب للإرهابيين في سورية!!.

لم تنكر السعودية وبعض دول الخليج دعمها الكامل للإرهابيين في سورية لتدمير النظام الوطني والقضاء على المقاومة. التي كانت تعتبرها ضمن دائرة الخطر والتصارع الآيديولوجي بين سُنّة وشيعة وغيرها من ضمن الرؤى الطائفية للأزمة في سورية.. وقد استفادت داعش بمسمياتها المتدرجة المختلفة ضمن تفريخات تنظيم القاعدة من أموال الدعم والمساعدات وأموال المتبرعين الإسلاميين في السعودية والخليج أيضاً.

لقد استفادت من الدعم التركي خلال الأزمة السورية من المال والسلاح الذي وقع في أيديها. وكان الهدف بالنسبة للسعودية واضح في إطار صراعها العلني وخصامها الشديد مع إيران. وكان إيعاز السعودية لحلفائها النقشبنديين لمساعدة الحراك الداعشي الأخير لإحداث الفصل الجغرافي الاستراتيجي بين إيران وسورية وحزب الله هو الهدف الأرعن الذي اشتغلت عليه دون أي اعتبار للنتائج والمحذورات.. وقد وقعت في سلسلة أخطاء استراتيجية.. لأن داعش في نهاية الأمر سوف تكون عامل تهديد قوي للنظام السعودي المشبع بالبيئة الحاضنة للفكر الوهابي الأساس الأيديولوجي لفكر القاعدة وتنظيم داعش الإرهابي، وكنا دائماً على يقين تام بأن ثمة تناقض واضح في المعادلة العراقية بين الداعشيين والنقشبنديين سيطفو على السطح وفي سرعة غير متوقعة! وسيندم السعوديون الذين رعوا هذا المنحى في وقتٍ قريب وهذا ما حدث ويحدث الآن.. ونحن كما كنا دائماً نرى الخطر الداهم القادم على السعودية والأردن بالرغم من الدعم التركي للإرهابيين..

ودون سابق إنذار وجد داعش نفسه بعد احتلال الموصل أمام خيارات وحسابات ذاتية في إقامة ما سمّاه دولة الخلافة في العراق وسورية!! وبذلك يكون خرج حسب ما نرى من دائرة التحكم الأميركي والسعودي ولو بشكل مؤقت الذي لم يكن واقعياً في يوم من الأيام. وهكذا بات الخطر داهماً على مناطق النفط وحقوله بعد أن تجاوزت داعش الخط الأحمر، وعندما بدأت قوات البشمركة الكردية تتراجع أمام اجتياح داعش للمناطق الكردية وبات الخطر هذه المرة يطال مشروع الانسلاخ الكردي عن الدولة العراقية التي ترعاه أمريكا والغرب. كمشروع رديف متشابه مع الكيان الصهيوني!! الأمر الذي يشكل خطراً وتعدياً كبيراً على التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وفي محيط ولايتها!! عند هذا المنحى الخطير في الأحداث تحركت الإدارة الأمريكية والغرب عموماً دعماً للإقليم الكردستاني تسليحاً ودعماً بالقصف الجوي. في الوقت الذي كان يتطلب تسليح السلطة العراقية المركزية والجيش العراقي الأساسي. لم يجرِ هذا بالطبع والجهود انصبت لتسليح الإقليم الكردستاني لدعم انفصاله في المستقبل وتوجهاته القومية الخاصة في مواجهة السلطة المركزية العراقية!!

كيف نفسر إذاً هذا التحرك العسكري المفاجئ لداعش في الشمال العراقي وفي منطقة حقول النفط الضخمة، وكيف تفسر تزامن تحركه في الجزيرة السورية!! ومهاجمة داعش لمقر الفرقة 17 والتحركات في القامشلي والمقرات العسكرية المجاورة للرقة ودير الزور وريف حلب! في تزامن آخر مع قصف القوات الإسرائيلية قطاع غزة بآلاف القنابل والصواريخ!! عدا عن ازدواجية المعايير بتضامن أمريكا والغرب في محاربة داعش في العراق ودعمها في سورية وفتح الحدود والمساعدات أمامها!! ويبقى السؤال دائماً ما سبب هذا التحرك الغربي السريع في مجلس الأمن ضد داعش الأمر الذي لم يحدث بتاتاً تجاه العصابات الإرهابية التكفيرية في سورية؟! الجواب واضح هو تجاوز الخط الأحمر في تهديد منابع النفط وتهديد الكيان الكردي الذي يتساوق مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. وهكذا فقد تسارعت الخطا لإصدار قرار ملزم في مجلس الأمن.. لا في اجتماعاً كاملاً.

صدر قرار مجلس الأمن رقم 2170 بالإجماع لتحريم ومحاصرة تنظيم داعش وجبهة النصرة ومساءلة الجهات التي تقدم الدعم والمساندة لهما في سورية والعراق!!

مما لاشك فيه بأن القرار يمثل تحولاً مهماً! رغم عدد لا بأس به من التحسبات والتخوفات من بعض المحللين والسياسيين!! والقرار يشير إلى جملة من القرارات والبيانات الرئيسية التي تشير إلى محاربة الإرهاب وتجريحه! والقرار يستهدف إضعاف النصرة وداعش مالياً، ووقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى سورية والعراق، وفرض عقوبات على الذين يقدمون الدعم بكافة أشكاله لجميع التنظيمات المتفرخة من القاعدة! ويعتبر الإرهاب الذي يمارسه هذان التنظيمان بشكل أخطر التهديدات للأمن والسلم العالمي. ويعتبر الأعمال الإرهابية أعمال إجرامية لا يمكن تبريرها، وهو يشكل أي القرار إدانة لداعش وجبهة النصرة وإلى كافة الكيانات والمؤسسات المرتبطة مع القاعدة. ويغيرهما السبب في وفاة الأبرياء والمدنيين وتدمير الممتلكات وتقويض الاستقرار. وإن الأمر يتطلب متطلبات تجميد الأصول وحظر السفر والأسلحة.. ويدعو القرار إلى حماية المدنيين من الأعمال الإجرامية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان. وينظر القرار بقلق عميق إزاء خضوع أراضٍ في العراق وسورية لسيطرة داعش وجبهة النصرة. الأمر الذي يقوض الاستقرار في العراق وسورية والمنطقة. ويلحظ التداعيات الإنسانية المدمرة على السكان، وتشريد أكثر من مليون مواطن. وينصّ القرار على أن مجلس الأمن يساوره القلق إزاء التحويل والموارد المالية التي حصلت عليها هذه التنظيمات ويدين حوادث الاختطاف واحتجاز الرهائن بغرض الحصول على تنازلات سياسية ودفع فديات مالية! وبالتالي فإن المجلس يساوره القلق إزاء تدفق المقاتلين إلى سورية والعراق! كما يدين بأشد العبارات التحريض على الأعمال الإرهابية وتبرير إيجاد أعذار للأعمال الإرهابية. ويدعو القرار الأممي إلى استقلال وسيادة ووحدة وسلامة أراضي العراق وسورية وفق مقاصد ومبادئ وميثاق الأمم المتحدة. والتصدي بكل الوسائل وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان واللاجئين والقانون الإنساني للتهديدات للسلام والأمن من جراء الأعمال الإرهابية التي يقوم بها داعش وجبهة النصرة والكيانات الرديفة لها. ويؤكد القرار العزم على معالجة جوانب التهديد.

والقرار كما هو واضح في النص يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويقرر وفق ذلك مايلي:

يستنكر بأشد العبارات الأعمال الإرهابية والأيديولوجية المتطرفة العنيفة واستمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، والقتل العشوائي والاستهداف المتعمد للمدنيين، والعديد من الفظائع وخصوصاً في الرقة ودير الزور وحلب وإدلب في سورية، والفظائع التي ارتكبت في شمال العراق في مخيم صلاح الدين ونينوى، بما في ذلك العمليات التي تنطوي على عمليات الإعدام الجماعية! والقتل خارج نطاق القضاء، واضطهاد الأفراد على أساس دينهم أو معتقدهم. والخطف والتهجير القسري لجماعات وأقليات، والاستخدام غير القانوني للجنود والأطفال والاغتصاب والاحتجاز التعسّفي، وتدمير أماكن العبادة.

ويرى أن الهجمات الممنهجة الواسعة النطاق ضد المدنيين بسبب خلفياتهم العرقية والدينية ومعتقداتهم قد تشكل جريمة ضد الإنسانية! ويحث على جميع الأطراف حماية السكان المدنيين ولاسيما النساء والأطفال. من أي شكل من أشكال العنف الجنسي التي تقوم بها داعش وجبهة النصرة وجميع المؤسسات الكيانية المرتبطة بتنظيم القاعدة بوقف جميع الأعمال الوحشية والإرهابية.

ويحث جميع الدول للتعاون في الجهود للتوصل إلى مرتكبي ومنظمي ورعاة الأعمال الإرهابية وتقديمهم إلى العدالة.

ويدين داعش وجبهة النصرة لتجنيدهما المقاتلين الأجانب، ويطالبهم بالانسحاب فوراً، ويؤكد نظام الجزاءات الخاص بتنظيم القاعدة وتطبيقه على داعش وجبهة النصرة.

ويدعو الدول لاتخاذ تدابير وطنية لمنع تدفق المقاتلين إلى سورية والعراق. وإلزام الدول بالإبلاغ عن تحركات الإرهابيين وتبادل المعلومات على وجه السرعة عن توريد الأسلحة وتقديم التمويل ومنه تمويل الأعمال الإرهابية والدعم الصريح لهذه المنظمات..

وحظر الدول بالنسبة لرعاياها إتاحة أي أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية أو خدمات مالية. ويدين أي انخراط في التجارة المباشرة وغير المباشرة مع داعش وجبهة النصرة خاصة فيما يتعلق بتسويق النفط.

ويلزم الدول بأن لا تكون تبرعات المواطنين والأشخاص لداعش والنصرة. وينبّه الدول بمراقبة حركة الذهب والأشياء الثمينة عبر نقلها بالطائرات ومنع أعمال الاختطاف وحجز الرهائن.

ويؤكد أن داعش وجبهة النصرة مدرجة على قائمة العقوبات الخاصة بتنظيم القاعدة.

وهكذا كما تقدم نرى أن هذا القرار المهم يتطلب التزاماً دولياً وتنسيقاً وجهوداً دولية شاملة لمحاربة إرهاب داعش وجبهة النصرة الذي بات يقرع أبوابه على الجميع دون استثناء.