أهملها العرب وتلقفها الغرب…حكايات «ألف ليلة وليلة» ملهمة الشعراء والروائيين

ألف ليلة وليلة

صورة لإحدى الرسوم داخل كتاب ألف ليلة وليلة

كثيراً ما يغفل واحدنا قيمة كنزٍ في بيتِهِ، وينظر إلى ما لا قيمةَ له عند الآخرين بعين الإعجاب والتقدير. وهذا ما أصابنا نحن العرب فيما يتعلّق بواحدٍ من أهم الكتب في التاريخ: «ألف ليلة وليلة»، الذي تُرجمَ إلى لغاتٍ كثيرة وجل ما فعلهُ أجدادنا أنهم نسخوا الكتاب نسخاً مختلفة، وطبعوه طبعاتٍ متعّددة فحفظوه من الضياع، لكن المستشرقين هم الذين اكتشفوه وأذاعوا فضله! الأمر الذي يؤكده د. ثائر زين الدين في محاضرة له حول «ألف ليلة وليلة» وتأثيرها في الأدب الأوروبي.

سندباد ومرجانة.. مغامرة وجسارة
 
وقد انتبَهَ الغربيّون إلى «ألف ليلة وليلة» حين قامَ أنطون جالان بترجمتها إلى الفرنسيّة- حسب زين الدين الذي يدعم تأكيد د. سهير القلماوي أن جالان ترجَمَ قبل ذلك قصص سندباد، ويرى زين الدين أن مرحلة أخرى لاحقة بدأت فيها تلكَ الشعوب تترجمُ الأثر عن الأصل العربي ومنها ترجمة المستشرق الإنكليزي المشهور لين (Ed. w. lane) التي أنجزها بين عامي (1839- 1841).

ترجمةُ الليالي إلى أوروبا وغيرها التي لاقت نجاحاً عظيماً – حتى لا نكاد نجد اليوم في تلك البلاد من الأطفال أو اليافعين من يجهل سندباد وعلاء الدين وعلي بابا وشهرزاد ومرجانة وغيرها من شخصيّات الليالي – غيّرت اتجاه النظر إلى الشرق، بل رؤية أوروبا للشرق وللعرب، ولكنّها في الآن نفسه – يعقب زين الدين – أثرت في حياة أوروبا أكثر من ذلك بكثير؛ عن طريق تأثيرها في الأدب والمسرح والفن والموسيقا وكل ذلك بسبب ما فيها من خيالٍ رائع وثّابٍ غنيٍ، وجسارة ومغامرة جاءت بدلاً لتلكَ الينابع الكلاسيكيّة التقليدية التي كان الغربُ قد مَلّها!
 
خيام الصحراء وقصور الخلفاء

ويقتبس زين الدين مقولة مجّلة «ابن الوطن» الروسيّة عن الليالي بعد أن ترجمت إلى الروسيّة عن جالان في اثني عَشرَ مجلداً (1763– 1771) وطُبعت مَرات عديدة: «… لوحة دقيقة لروح ولطابع الحياة المدنيّة، وللطبائع الأسريّة لشعبٍ كانَ قوياً في غابر الأزمان، وانتشرت منجزاتُهُ في أطراف العالم الثلاث. ونحنُ نتعرف من خلال هذهِ الأساطير الى العرب تحتَ خيام الصحراء، وفي قصور الخلفاء، وفي المجتمعات التجاريّة، وفي القوافِلِ الرُحّل، وفي الواقع الاجتماعي» ومقولة المستشرق الشهير« سيمسون دي ساسي» عن عنصري الخيالِ والتشويق في الكتاب: «يجب أن نعد العرب معّلمين لنا في ابتكار الأحداث الشائقة، وفي العناية والاهتمام بالتنويع المستمر من خلال عالم الأساطير المتألق للسحرةِ والعجائب، الذي يجعل حدود العالم أكثر اتساعاً وثراءً وينميّ القوى الإنسانية، وينقلنا إلى آفاق الروعة، ويثير دهشتنا حيال المفاجآت».
 
سيف.. مخدة و«قلب أسد»

في بحثه عن «ألف ليلة وليلة» يتوقف زين الدين عند استشهادات وآراء كثيرة لروائيين ونقاد منهم بورخيس الذي يؤكد أن الليالي كتاب عَشقَهُ منذُ الطفولة، وأوّل ما قرأهُ من أعمال، وقد أدى دوراً كبيراً في بناء شخصيتِهِ الأدبية ويرى فيه لقاءً عظيماً للغرب مع الشرق ترك أثراً عميقاً في الغرب نفسه؛ «فها هو ذا الإسكندر الذي كان ينام والسيف إلى جنبه وكتاب الإلياذة تحت مخدته يتحول جزئياً إلى رجل شرقي بعد لقائه العنيف بالشرق كما هي الحال مع الملك الإنكليزي «ريتشارد» الذي استوحى من الشرق لقبه ذائع الصيت؛ «قلب الأسد».

الدمى الخشبية.. وإلى الأبد ويوم

وحين يتحدث بورخيس عن الكتاب نفسه أول ما يستوقفه – حسب زين الدين -العنوان، الذي يصفه بقوله: «إنه يكمن كما أعتقد في حقيقة أن كلمة ألف هي رديفة في أذهاننا لكلمة لا متناه فأن تقول «ألف ليلة» يعني أن تقول: ليال لا متناهية؛ ليال لا تحصى، ليال لا نهاية لها. وأن تقول: ألف ليلة وليلة، يعني أن تضيف ليلة واحدة على المالانهاية، دعونا نتذكر تعبيراً إنكليزياً طريفاً: عوضاً عن «إلى الأبد» يقولون أحياناً «إلى الأبد ويوم».. إن فكرة اللانهاية هي من مادة: ألف ليلة وليلة نفسها».

ماركيز هو الآخر له ما يشبهُ هذا القول حين يروي أن المصادفة جعلتهُ يعثرُ في مكتبة جدّه على «ألف ليلة وليلة» وأنه لو لم يفعل لما صار أديباً: «هو من صنع مني أديباً بعد أن سحرتني الحكايات داخله، وأكثر ما شُغفتُ به هو دور الراوي»، وقبل هذين العملاقين – يتساءل زين الدين – ألم يتمنى فولتير لو أنه يفقد الذاكرة ليستعيّد لذّة قراءة الليالي من جديد؟ وهل يستطيعُ قارئ قصص هانس أندرسن أن يتغاضى عن كثير من الإشارات والتشابهات القادمةِ من الليالي إلى قصصه، التي انغرست في خيالِهِ الطفل عندما كان أبوهُ صانع الدمى الخشبيّة يروي لهُ تلك الحكايات والحكايات الشعبيّة الدنمركيّة.
 
حلاق اشبيلية.. والتعويذة

وسيدفع هذا الكتاب برأي زين الدين كثيراً من أدباء الغرب إلى الارتحال نحو الشرق – بعد أن كانت تلك الرحلات وقفاً على السياسيين والتجّار والعلماء – وهم يحملون في أعماقهم مدن ألف ليلة وليلة أمثال تيوفل جوتيه وجرار دونرفال ومكسيم دوكان، وأثرت الليالي في نتاج معظم الكتّاب والشعراء الروس وأهمهم الرومانسيون وعلى رأسهم بوشكين، وبدا ذلك واضحاً في بعض أعماله مثل: «روسلان ولودميلا – ليال مصريّة – أند جيلو – القمر يتألق – التعويذة» حيث تجاورت عند المبدع مع الأساطير الشعبية الروسيّة وعناصر الفولكلور الروسي.

ولن ينتهي تأثير الليالي عند إدخال أشكال جديدة على الأدب الأوروبي كقصص الحيوان والجن وأدب الرحلات، والمساهمة في نموّ أدب جديد وهو أدب الهجاء والسخريّة؛ كما عند الفرنسي مونتسيكو في كتابه «رسائل فارسيّة»، وفولتيير في «رسائل أمابيد» بل سيلقي برأي زين الدين بظلالٍ جميلة على المسرح الأوروبي كما لدى الفرنسي بومارشيه في مسرحيته « حلاّق أشبيلية »، وغيرها من الأعمال المسرحيّة التي أوحت لكبار الموسيقيين الأوروبيين أن يؤلّفوا مقطوعات موسيقيّة وأوبرات كثيرة تستوحي الليالي كما فعل روسيني عندما حوّل «حلاّق إشبيلية إلى أوبرا»:  وكما فعل موزارت في أوبرا زواج فيغارو «وأوبريت» معروف الإسكافي» ويتأثر فن الباليه بذلك فيشاهد الجمهور الأوروبي أجمل الباليهات المستوحاة من ألف ليلة وليلة:» شهرزاد «، و» ثورة الحريم « وغيرها.