أميركا وإسرائيل على شفا مواجهة وشيكة بسبب الموضوع الفلسطيني

الكاتب: ناحوم برنياع / نشر في: يديعوت , 09/12/2013

يُحسن براك اوباما إعداد واجباته الدراسية. فقد أجاب، أول من أمس، في منتدى سبان في واشنطن عن أسئلة في موضوعين فقط: المشروع الذري الايراني والتفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني. 

وكانت أجوبته فصيحة ومنظمة وغنية بالتفاصيل ودقيقة. فمن أراد الاقتناع اقتنع ومن لم يُرد الاقتناع حصل على تعزيز آخر لشكه.

اوباما هو الرئيس الثاني الذي يحضر منتدى سبان في فترة ولايته. وكان السابق هو جورج دبليو بوش. 

وقد استقبل الأميركيون والإسرائيليون الكبار – من الساسة ورجال الاعمال والباحثين والصحافيين – الذين يشاركون في المؤتمر، الرئيس بإكرام كبير كما يستحق، لكن بحماسة محدودة. ولم يأت اوباما ليحظى بالهتاف، خلافا لما كان في حضوره السابق أمام جمهور اسرائيلي في مباني الأمة في القدس، بل جاء ليُبين. 

وقد بيّن. حينما نقشّر عن كلامه القشرة الدبلوماسية ونضيف إليه ما يقوله هنا في الغرف المغلقة أناس الادارة في الحاضر والماضي فانه يمكن أن نوجزه كما يلي:
دخلت الولايات المتحدة التفاوض مع ايران في وضع غير سهل، فقد هدد التحالف الدولي، الذي أنشأ العقوبات، بأن يحل نفسه. واشتكت روسيا والصين وكوريا الجنوبية واليابان أنها تدفع ثمنا باهظا بسبب العقوبات، وضغطت للتخفيف منها؛ وعارض أكثر الأميركيين ويعارضون عملية عسكرية على ايران. وتقول استطلاعات الرأي إن أكثر الأميركيين يتحفظون الآن من كل مبادرة أميركية في الشؤون الخارجية؛ وزعمت اسرائيل وتزعم أن ايران كانت على شفا الانكسار.

لكن الادارة الأميركية اعتقدت خلاف ذلك، فلولا الاتفاق لوصلت إيران إلى القنبلة الذرية. وبعبارة اخرى دخلت أميركا التصالح مع ايران، وهي أقل قوة مما اعتقدتم، وكانت ايران أقل ضعفا. فالاتفاق معقول في هذه الظروف.

اعترف اوباما، أول من أمس، لأول مرة وبصوته بأن إيران تستطيع في الاتفاق النهائي ايضا أن تخصب اليورانيوم. واعترف أيضا بأن الاتفاق النهائي مهما يكن جيدا فلن يستطيع أن يمنع النظام الايراني من التوصل الى سلاح ذري لأن العلم لا يمكن القضاء عليه ولا التكنولوجيا ايضا. فستصبح ايران في واقع الأمر دولة عتبة.
ووعد اوباما بأنه اذا فُجر التفاوض فستعود العقوبات كاملة وربما تزداد. و”سيوزن” الخيار العسكري. ويُخيل إلينا أن كل واحد في القاعة فهم أن هذا الكلام لن يذعر أحدا في طهران: لأن لمسار انتقاض العقوبات الدولية حراكا يخصه، ولا يمكن تقريبا وقفه فضلا عن اعادته الى الوراء. 

وفيما يتعلق بالخيار العسكري فليس له مؤيدون لا في المؤسسة العسكرية الأميركية ولا في الرأي العام. ويصعب على الزعيم في أميركا كما هي الحال في اسرائيل أن يأمر بعملية عسكرية يرفضها أكثر الرأي العام منذ يومها الاول.

يبدو أن اوباما وصف بصدق الاختلافات في الرأي بينه وبين نتنياهو. يؤمن نتنياهو بأنه يمكن ويجب إخضاع ايران؛ ويؤمن اوباما بأنه يمكن تحصيل شيء أكثر منها بطريقة دبلوماسية. ومهما يكن الامر فقد توصل اوباما الى قراره. وحسب أجوبته عن اسئلة حاييم سبان فانه مستعد لمشاورة نتنياهو، لكنه غير مستعد لتلقي إملاءات منه.

بقي لنتنياهو كما يبدو ورقة لعب واحدة وهي أن يهدد الرئيس بقانون يُجيزه اصدقاء اسرائيل في مجلسي النواب؛ يأمر بتشديد العقوبات اذا لم يتم احراز اتفاق مُرض بعد ستة أشهر. لكن ورقة اللعب هذه تبدو الآن ضعيفة، لأن الجمهوريين الذين يسارعون الى مشاجرة اوباما على كل شأن داخلي لا يسارعون الى تبني سن قانون يُظهرهم أنهم داعون الى الحرب. 

“اسرائيل تنزف في أميركا”، قال أحد الاسرائيليين المقربين من نتنياهو بأسى، “وتنزف أوراق لعبها أيضا”.

كان اوباما واضحا كثيرا ايضا في أجوبته عن اسئلة سبان في الشأن الفلسطيني (حينما فتح النقاش لأسئلة الجمهور كانت كل الاسئلة عن ايران، واختفى الشأن الفلسطيني).

يقول أوباما إن المخطط معلوم، وهو يقصد انسحابا اسرائيليا الى خطوط 1967 مع تبادل أراض.

تخشى إسرائيل على أمنها، وأميركا تتفهمها، ولهذا أعد الجنرال جورج ألين سلسلة وسائل أمنية تقنية وغيرها تُمكّن في رأي الادارة الأميركية من ضمان أمن اسرائيل من غير الضفة. وهذا هو رأي الادارة، لكن القرار النهائي متروك لنتنياهو والجيش الاسرائيلي؛ وفيما يتعلق بأبو مازن فسيضطر الى قبول مخطط يكون فيه الانسحاب الاسرائيلي (من الغور مثلاً وغيره) تدريجيا، يمتد زمنا طويلا، ويُعلل ذلك بالخشية من أن تنتقل الضفة كغزة الى سيطرة جهات “إرهابية”.

إن المطالب الأمنية هي الدرع التي تُمكن حكومات اسرائيل من تأجيل التباحث في المواضيع المؤلمة وخطوط الحدود والقدس واخلاء المستوطنات. 

ونشك في أن يستطيع الأميركيون ايجاد ترتيبات امنية تجعل نتنياهو يوافق على انسحاب الى خطوط 1967 أو يبحث حتى هذا الانسحاب. ونشك في أن يستطيع أبو مازن الموافقة سياسيا على مخطط انسحاب يمتد سنوات.

إن الشعور العام هنا في الشأن الفلسطيني، بين الأميركيين والاسرائيليين على السواء، هو أن التفاوض انحرف عن مساره، وأن الانفجار قريب، ويُشك كثيرا في أن يمكن منعه. وعبر اوباما عن أمله في أن يتوصل الطرفان بعد الأجل المسمى الى مخطط مشترك يستطيعان الانطلاق منه الى الأمام. ولم تصف هذه الجملة الواقع البائس في غرف التفاوض، بل عبرت عن هوى في القلب.

تدل جميع الدلائل على أن حكومة نتنياهو وادارة اوباما على أبواب مواجهة. 

إن اللغة مهذبة، لكن القرارات التي يعرضها كل طرف على الآخر صعبة ومشحونة ومقرونة بأثمان سياسية باهظة. كانت حالة الجو في واشنطن، أول من أمس، قاتمة وباردة ويرى المتنبئون بأن العاصفة قادمة.