أسئلة برسم الأحزاب العربية – د. محمد صالح الهرماسي

لا بدّ من الاعتراف بأنّ أداء الأحزاب العربية في العقود الأخيرة لم يرتق إلى مستوى الطموحات والآمال الشعبية في التغيير والنهوض. وكثيراً ما يبحث البعض عن عذر لهذه الأحزاب بالقول إنها ورثّت أمراض مجتمعاتها وصراعاتها مما أضعف دورها وأفشل أداءها. وفي رأيي إنّ هذا لا يُعفي الأحزاب العربيّة من المسؤولية ذلك أنّها يفترض أن تكون الطليعة والنخبة التي تمتلك الوعي الناضج والثقافة العميقة والرؤية الاستراتيجية والأخلاق النضالية ممّا يجعلها محصّنة ضدّ مختلف الآفات والأمراض.

د. محمد صالح الهرماسي

د. محمد صالح الهرماسي

والحقيقة أن تراجع الأحزاب العربية قد بدأ تدريجياً بعد استقلال الدول العربية، إذ أصبحت هذه الأحزاب إمّا أحزاباً حاكمة هدفها الأساسي هو الحكم والاستئثار به أو أحزاب معارضة تدور في فلك السلطة التي تغدق على قادتها النعم والامتيازات. وهناك قلّة قليلّة من الأحزاب التي رفضت التدجين واختارت طريق النضال، ولكنها لم تستطع هي الأخرى أن تشكل حالة جماهيريّة قويّة وذات تأثير سياسي حاسم، ولهذا أسبابه الذاتية والموضوعية التي لا يتسع المقام هُنا لبحثها.

ويمكن تلخيص أسباب الضعف وحتى الشلل الذي أصاب الأحزاب العربية في:

غياب الديمقراطيّة داخلها، وضعف الوجود الشبابي والنسائي فيها، وكثرة الانقسامات والانشقاقات بين صفوفها ـــ وانغماسها في السلطة والسعي وراء المصالح الشخصية.

والأهم من كل ذلك غياب المشاريع الاستراتيجية الكبرى عنها وما يستتبعه ذلك من جمود تنظيمي وفكري وسياسي، وعجز عن الفعل الجماهيري المؤثر.

ولعلّ الحراك الذي شهدته بعض الدول العربية وأدّى إلى سقوط أنظمتها دليل على أن الأحزاب العربية لم تكن في وارد صنع الحدث، وأن بعضها كالإخوان المسلمين وغيرهم قد ركبوه حتى وصلوا إلى سدّة الحكم ولكنهم لم يكونوا أبداً الفاعلين الاصلاء في ذاك الحراك. وقد أثبت أداؤها في المرحلة الانتقالية في كل من مصر وتونس وليبيا أنّها لا تمتلك مشاريع وطنية حقيقية، ولا ترى في السياسة سوى طريق لكسب المغانم والمنافع.

وفي ظلّ هذا الوضع، يصبح تجديد الأحزاب العربية أولوية وطنية وقومية لأنّه أساس تجديد الحياة السياسية العربية. وهذا يقتضي عمليّة إعادة بناء حزبية شاملة تطال النواحي التنظيمية والفكرية وتحدّد قبل ذلك الأهداف والمشاريع الوطنية والقومية والاستراتيجية الكبرى التي تضفي على هذه الأحزاب شرعيتها النضالية وأهميتها التاريخية ومصداقيتها الجماهيرية. أما أن تكون الأحزاب مجرّد وسيلة للوصول إلى السلطة وبأي ثمن كان! فإنّ ذلك يعني أنّها تحكم على نفسها بالفشل الذريع لأنّها ستخسر شرعيتها ومصداقيتها.

فهل ستستعيد الأحزاب العربية وظيفتها الوطنية والقوميّة بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية، وهل ستنجح في تجديد بناها وعصرنة وسائل وآليات عملها. وهل ستجعل هدفها الأول الصالح العام على المستويين الوطني والقومي وما يعنيه ذلك من تغليب الأخلاق النضالية على أخلاقيات المنفعة والانتهاز.

لعلّ الجواب على هذه الأسئلة هو الذي سيحدّد مستقبل الأحزاب العربية ومصيرها.

د. محمد صالح الهرماسي – موقع ثوابت عربية