آل سعود والوهابية …حقائق التاريخ ..ووقائع الحاضر – د. خلف الجراد

«فتوى وهابية سعودية» بحق أحد سكان دوما

أورد ناصر السعيد في كتابه «تاريخ آل سعود» (الصادر عن مطابع الاتحاد في بيروت، ط1، الجزء الأول، ص 842-844) قصة «الفتوى الوهابية – السعودية» التالية بحق مواطن من الجزيرة العربية اسمه «عبد الله السناري» يقيم في دوما بدمشق، ماتت أمه في الرياض عن ثروة تقدر بنصف مليون ريال، وليس لها من وارث سواه.

وقد عاش حياته فقيراً.. وعاد للجزيرة العربية ليأخذ ثروته، وإذ بأحد تجار الدين في الرياض قد استولى عليها.. وذهب الابن إلى «مفتي الديار» محمد بن إبراهيم، ليشكو له، فسأله المفتي قائلاً:ماذا تريد بثروتك؟! فأجابه السناري: «بدي أعيش بها».. وهنا رفع المفتي -أعمى البصر والبصيرة- رأسه وتساءل عن سبب نطقه بكلمة «بدي» أعيش بها، هذه؟!. وتابع المفتي يسأل: «أين تقيم الآن؟». قال السناري: أقيم في دوما -قرب دمشق- في سورية.. فقاطعه المفتي الوهابي- السعودي قائلاً: «كفى.. كفى.. أن أهالي دوما هم الذين طردوا الإمام محمد بن عبد الوهاب من بلادهم.. وقالوا إنه يهودي، وأهالي دوما ودمشق وسورية كلها من الكفار المشركين بالله! وأنت أكفر منهم لأنك تعيش بينهم، وإذا أردت ثروتك فما عليك إلا أن تسلم أولاً وتعيش في ديرة المسلمين، ولا يحق لك السفر بشيء من ثروتك لبلاد الكفار». وقد حاول السناري إقناع المفتي أنه شخص مسلم بالفعل.. أو مؤمن «ويشهد بالله ورسله وملائكته»، وأنه حج إلى مكة.. وو.. الخ، فقاطعه المفتي متسائلاً: «وهل تزكّي؟ّ» فأجابه السناري: «نعم ياشيخ أنني أزكي القمل الذي أملكه، فهل القمل يزكّى؟!» فزجره المفتي السعودي قائلاً: «اذهب أنت كافر مادمت في ديار الشام»، فذهب السناري ليأخذ فتوى مناقضة من قاضي دوما، وصدق عليها مفتي سورية- آنذاك- أبو اليسر عابدين (في عام 1957)، وشهد بإسلام السناري عدد من السعودية المتاجرين بالدين أيضاً.

ونشر ناصر السعيد (في الصفحة 843 من كتابه المشار إليه) صورة طبق الأصل للفتوى الرسمية تلك، موقعة ومختومة من المفتي العام في سورية، ومؤرخة في 2/11/1957، وتشهد بإسلام السناري، وتؤكد حقه الشرعي في إرث والدته.

وأضاف السعيد: إنه ما إن عاد السناري إلى الرياض بهذه الفتوى الصادرة من دار الإفتاء في سورية والتي تثبت «إسلامه»، حتى رماها «مفتي الديار» السعودي في وجهه قائلاً: «إن مفتي الكفار في الشام كافر مثلهم.. وإن الذي كتب لك وشهد لك من مشايخ الشام كفار مشركون، ولا يحق لك إرث أمك ما لم تسلم وتبقى هنا في ديار المسلمين وفي الرياض تحت مشاهدة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..».

وهكذا عاد المواطن السناري المحروم من إرث أمه ظلماً، عاد- كافراً- بالفعل- بهؤلاء، الذين يحكمون الناس ويفتون زوراً وبهتاناً باسم الإسلام والقرآن وشرع الله.

وقد عقّب السعيد على هذه القصة الإنسانية الحقيقية المؤلمة، ودلالاتها وأبعادها الناتجة عن العنصرية البغيضة والعنجهية السعودية، المتحصنة بالوهابية التكفيرية الإلغائية لإسلام وإيمان جميع أهل الشام.. بما يلي:
1- إن فتوى «مفتي الديار» السعودي، الذي لا يصدر فتاويه إلا بأمر من سادته آل سعود، قد سبق له ولأجداده وأولاده أن أصدروا فتاوى مشابهة ضد أهل العراق ومصر وليبيا واليمن وإيران، بل الكويت والبحرين أيضاً، لأسباب سياسية.. وبأمر سعودي.

2- لاشك أن مثل هذه الفتاوى لا تسري على المستشارين السعوديين وتجار بناء المساجد التي تبنيها السعودية في هذه الأقطار وفي دمشق وغيرها لجعلها بؤرة للتفرقة الدينية ومصيدة للشباب لإرسالهم، بحجة تأدية فريضة الحج والعمرة، والمقصود بالحج والعمرة (في مخططاتهم الخبيثة) «تعميرهم» في المخابرات السعودية ضد بلدانهم، وربطهم بها وبالمخابرات الأميركية التي يهيمن عليها الصهاينة، وقد أصبحت الجزيرة العربية المركز الأول لانطلاق المخابرات الأميركية- الصهيونية بعد سقوط عرش إيران (ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 844).

3- حادثة قبض اليمنيين على يوسف بن مقرن الياهو واعترافاته الخطرة في التاسع عشر من كانون الأول 1962، ألقت قوات الثورة اليمنية القبض على اليهودي يوسف بن مقرن الياهو، في أثناء تسلله من السعودية إلى اليمن، واعترف يوسف بكل تحركاته بين فلسطين المحتلة والجزيرة العربية، كما اعترف بصلاته العرقية بآل سعود، واعترف أيضاً بأنه يتواصل دائماً مع يهود الجزيرة العربية، وأنه كان يحوز كتاباً مخطوطاً بعضه بالعربية وبعضه بالعبرية اسمه العربي «نبع نجران المكين في تراث أهله الأولين»، الذي قام بإرساله إلى جلالة الملك السعودي عبد العزيز عن طريق ممثله الشخصي جون فيلبي، تقديراً لعاطفة الملك عبد العزيز وصلاته المتكررة ليهود نجران عامة وليوسف بن مقرن الياهو خاصة. وقال: «لقد حزنت كثيراً على هذا الكتاب الذي أخذه مني جون فيلبي بناءً على طلب من عبد العزيز آل سعود في رسالة قال فيها عبد العزيز إنه يريد طبعه، لكن تبين أن عبد العزيز يريد أن يخفي الكتاب لئلا ننشره نحن اليهود، ولكي لا يقع بيد غيرنا من اليهود أيضاً، لأن لعبد العزيز أعداء من اليهود التقدميين لا يؤيدون طريقته، وحينما راجعت عبد العزيز حول الكتاب وقلت له دعنا نتول طبعه نحن.. ضحك عبد العزيز وهو يسخر من هذا الكلام، وقال: «هذا الكلام الذي جعلني اطلب الكتاب منكم لأنني علمت بعزمكم على تسريبه لليهود في فلسطين ليتخذ منه بعضهم وسيلة ضغط كبيرة ضدي تجعلني أسيراً حسبما يرون، وهم لا يدركون عواقب سيرنا المكشوف حسب أهوائهم، وحسبما يريدون لا حسبما تقتضيه مصلحتنا المشتركة». وقال لي عبد العزيز: «وعلى كل حال فإن الكتاب لدى الأخ عبد الله فيلبي فتشاور معه عن موضعه»، ولما ذهبت إلى فيلبي وسألته عن الكتاب قال فيلبي: «لقد نقلت وصورت ما يهمني من الكتاب وسلمته لعبد العزيز»، فقلت لفيلبي: «إنني أخشى أن يحرقه عبد العزيز»، فقال فيلبي: «إنه فعلاً ينوي إحراقه ثم تراجع، وطمأنني عبد العزيز بعد أن قرأت له الكتاب بقوله: إنه كتاب مهم وهو ليس «نبع نجران المكين في تراث أهله الأولين فقط، وإنما هو نبع العالم كله في تاريخ اليهود». وقال لي جون فيلبي: «يا أخ يوسف: إن الكتاب لدى عبد العزيز وقد أقسم لي أن الكتاب لن يذهب منه إلا إذا ذهبت روحه، وإنه إرثه الوحيد الذي يريد توريثه لا لكل أولاده وإنما لأعز أولاده، وقد أطلع عليه جمعاً كبيراً من أقاربه وإخوته، ومنهم شقيقه عبد اللـه بن عبد الرحمن، وأطلع عليه قسماً من كبار أولاده، وقال لهم عبد العزيز: على كل حال يا عيالي أنا ما أطلعتكم على هذا الكتاب إلا لتعرفوا أنكم أنتم وحدكم في هذا العالم الذين جمعتم المجد من أطرافه الثلاثة: يهود، عرب، مسلمون… إنها «ثلاثة الأصول» الحقيقية التي ذكرها ابن عبد الوهاب.. (ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 446-447).

هذا ما قاله يوسف بن مقرن الياهو باعترافاته في اليمن، وقد أذيعت من الإذاعة اليمنية قبيل الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم 20/12/1962. كما اعترف الياهو أنه مواطن سعودي وسافر بجواز سفر سعودي إلى فلسطين في عام 1947 «بمهمة»، وأخذ يتردد بعدها بين «إسرائيل» والأردن وخيبر والرياض ونجران وجدة والمدينة ومكة وتبوك واليمن، وقال: «إن لآل سعود علاقات جيدة بإسرائيل وأنهم يسبّونها علناً ويتعاونون معها سراً..».

وحينما سأله المحقق: «أنت تعمل لصالح إسرائيل والسعودية فهل أنت مطمئن لهذا العمل؟»، قال اليهودي السعودي يوسف بن مقرن الياهو: «أنا لا أعمل لمصلحة السعودية، وأنا مطمئن في السعودية لأني يهودي، ومطمئن لأن السعودية تعمل بكيانها لمصلحة اليهود وليس ضدهم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وكل يهودي لا شك أنه يعمل لصالح اليهود، وأنا كواحد من اليهود أعمل لدعم كياننا اليهودي».

وحينما سئل هل لديك نسخة ثانية من الكتاب الذي يثبت قرابتك لآل سعود؟ّّ!، أجاب: «إن لدي نسخة ثانية في نجران، وإذا كان يهمكم هذا فأعاهدكم أنني سأقدمها لكم في حال الإفراج عني على أن نقوم بطبعها لأستحصل على بعض النسخ منها». وقال ناصر السعيد (في كتابه تاريخ آل سعود، ص 488): لقد سجلنا اقوال اليهودي يوسف على شريط (كاسيت)، كما تحدث عنه الرئيس عبد الله السلال قائد الثورة اليمنية، حينما افتتح «مكتب الجزيرة العربية» في صنعاء يوم 26/12/1962، حيث قال: «إننا سنقدم هذا اليهودي الشرير الذي يقود مجموعة من المرتزقة والجواسيس بين السعودية والأردن وإسرائيل ليسمع العالم كل شيء من فمه عن أعمال السعودية ضد اليمن وضد فلسطين، وليصف لنا أصول القرابة بينه وبين آل سعود وكيف دخل آل سعود في الإسلام ولماذا؟».

وفي معرض تعقيبه على هذه الحادثة ودلالاتها الخطرة، وما تضمنته حكاية يوسف بن مقرن الياهو ذي القرابة القبلية مع آل سعود.. ومآلاتها، يقول ناصر السعيد (تاريخ آل سعود، ص 448-449): «ولكن بقدرة الأيدي القذرة التي تعمل في الخفاء، ومنها أنور السادات الذي أوكل بشؤون اليمن، وكان ممن تسببوا بهزيمة الثورة اليمنية، وإغلاق مقرنا للتدريب، وبعد عشرة أيام من إذاعة بيان يوسف بن مقرن الياهو واعتقاله في اليمن، نقل الرئيس السلال إلى القاهرة بحجة السفر للاستشفاء.. فحل حسن العمري مكانه، والعمري كما هو معروف من العملاء «الأصلاء» للسعودية، وما هي إلا أيام ثلاثة من تولي العمري (نيابة السلال) حتى نقلوا اليهودي يوسف بن مقرن الياهو عبر الحدود اليمنية السعودية إلى نجران. علماً أن السعودية كانت آنذاك في حالة حرب مع اليمن، وتسلمه الأمير خالد السديري، فنقل إلى جدة وعاد إلى نجران ثانية. ثم سافر عبر الأردن إلى فلسطين المحتلة، ثم عاد، ومازال يتنقل بحرية تامة وبهمة الشباب، رغم أنه تجاوز سن الثمانين..».